السيد محمد الصدر

245

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وأمّا حرف الجرّ في قوله : لَفِي عِلِّيِّينَ فإن كان علّيّين اسم مكانٍ فواضحٌ ؛ لأنَّه يكون في ذلك المكان ، وهذا الحرف ظرف مكانٍ . وإن كان علّيّين بمعنى ( ساكن المكان ) كان المراد أنَّها بينهم ومعهم ؛ باعتبار أنَّ أصحاب المستوى الواحد يكون بعضهم إلى جنب بعضٍ معنويّاً . ولكنّنا بعد أن فهمنا من الكتاب آثار الأعمال الصالحة ، فيمكن أن يكون المراد من علّيّين نفس الفرد المؤمن ؛ فإنَّها تكون بمنزلة الجنّة له ، أو يعبّر عنها بذلك باعتبار علوّ مقامها وارتفاعها المعنوي ، فكلّ ( برّ ) هو ( علّيّ ) مفرد علّيّين ، فيكون المراد أنَّ آثار الأعمال الصالحة تتّصف بها نفوس المؤمنين التي هي عاليةٌ ، يعني : أنَّ تلك الآثار موجودةٌ في النفس وتكون بمنزلة الجنة لصاحبها ، وهذا يكفي . فإن قلت : فإنَّه لو كان يتحدّث عن الفرد لصدق أنَّه بين المجموع أو معهم ، ولكنّه يتحدّث عن المجموع ككلٍّ ؛ بقرينة الجمع ، وهو قوله : ( الأبرار ) وهم أنفسهم في علّيّين ، أي : العالين ، فهذه قرينةٌ على عدم إفادة هذا المعنى من علّيّين ، فيتعيّن أن يكون المراد به أنَّه ظرف مكانٍ ؛ ليكونوا حالّين به . وجواب ذلك : أنَّه يصحّ حتّى لو كان المراد بالعلّيّين الساكنين ، وهم الأبرار أنفسهم ، لكن يكون ذلك بأحد تقريبين : الأوّل : أنَّ بعضهم مع بعضٍ ، وهذا يكفي . نعم ، لو كانوا ملحوظين على نحو العموم المجموعي لم يصحّ ، ولكن الظاهر أنَّهم ملحوظون على وجه العموم الاستغراقي ، يعني : فرداً فرداً ، فيصحّ أنَّ أيّ واحدٍ منهم في ضمن المجموع . الثاني : أنَّ المراد من الأبرار البرّ الواحد ، فيكون في ضمن المجموع ويصحّ من هذه الجهة ؛ وذلك بقرينة إفراد كتابٍ . ولو أراد المجموع لقال :